كنت في الصف الرابع وفي فصل الربيع عندما ذهبنا مع مدرس التاريخ في رحلة مدرسية الى بعض الاماكن الأثرية وما أن وصل الباص الى ساحة بين التلال طلب مدرس التاريخ من السائق أن يتوقف وقال المدرس بصوت مملوء بالفخر والإعتزاز انظروا الى ذاك الضريح وأشار بيده الى قبة مزينة بالفسيفساء في وسط الساحة المحاطة بالتلال الجميلة المزينة بشقائق النعمان الحمراء وقال انه ضريح الجندي المجهول وأردف قائلا وها هي شقائق النعمان الوردة الحمراء ما هي إلا دليل على الدم القاني الذي نزف من الشهداء والجرحى في الدفاع عن ثرى الوطن الغالي.
منذ ذلك اليوم والجندي المجهول يعني لي هو ذلك الجندي الذي بذل الغالي والنفيس وسال دمه القاني على تراب الوطن ولا يعرف أحد اسمه أو عنوانه أو إلى اي بلد عربي ينتمي حيث كان العربي من المشرق أو المغرب لا يتوانى عن الدفاع عن ثرى الوطن العربي الكبير.
كل هذه المقدمة لأنني بالأمس رأيت بأم عيني الجندي المجهول والآن وبعد أن تجاوز عمري الخمسين تغير عندي مفهوم الجندي المجهول كنت بالأمس في احدى الملتقيات الاجتماعية والذي عقد على مدار يومين ما أن وصلنا الى الملتقى صبيحة اليوم الأول شد انتباهي شاب لم تفارق الإبتسامة محياه يرحب بالحضور ويستقبلهم ببشاشة ورحابة صدر لا مثيل لها ولم يمنعه كسر كاحله وعكازيه اللذين يتعكز عليهما من القيام بواجباته خير قيام في اليوم الأول كان تكريما لكل من بذل المال لأنجاح الملتقى كرموا وانفضوا وصاحب العكازين المكسور الكاحل كما استقبلهم ودعهم واستمر يستقبل ويودع كل من حضر وعلى مدار يومي الملتقى لا يتوانى في تقديم المساعدة لكل من يحتاج لها أذكر جيدا كيف تقدم مني وسلم علي بحرارة وعرفني بشخصه وعلى الرغم من حداثة إصابته إلا انه أبى أن يغادر المكان قبل ان ينتهي الملتقى.
من حسن حظي في اليوم الثاني من الملتقى كان لي شرف الجلوس على طاولة الطعام التي يجلس عليها صاحب العكازين والكاحل المكسور ودار حديث عن التطوع والاعمال الخيرية عرفت من حديثه أن كاحله كسر قبل الملتقى بعده أيام وكسر أثناء التجهيز للملتقى وعرفت حينها لماذا سمي شعار هذا الملتقى لنرتقي نعم لنرتقي بتفكيرنا لنرتقي بعملنا لنرتقي بأسلوب حياتنا وعرفت أن الكل يستطيع أن يقدم لمجتمعه ولحيه ولأخوانه الشيء الكثير.
وعرفت أن المال وحده لا ولن يقيم ملتقيات لا بد حتى تقام الملتقيات من وجود جنود مجهولين يبذلون من وقتهم وجهدهم لا يريدون من ذلك جزاء ولا شكورا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة يبذلون الغالي والنفيس في خدمة وطنهم ومجتمعهم وصدق فيهم قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (المؤمن للمؤمن كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) نعم في اليوم الأول كما قلت تم تكريم الجهات الداعمة وعلى مدار اليومين الأول والثاني تم تكريم كل من حاضر واعطى عصارة فكره لفت انتباهي عدم تكريم أو ذكر صاحب العكازين والكاحل المكسور وعدم ذكر كل من بذل الجهد وصرف الوقت بعيدا عن بيته وأهله ولسان حالهم يقول الثواب من رب العباد همسة : أنت وأنا هو وهي كل من موقعه يمكن أن يكون جنديا مجهولا.
عبد الله سياله
الاثنين، 17 مايو 2010
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق